الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
361
انوار الأصول
حارّة » قضيّة حقيقيّة صادقة مع عدم وجود نار في الخارج بل عدم وجود معدّاتها وأسبابها وليس ذلك إلّا لأنّها راجعة إلى قضيّة شرطيّة ، أي « كلّما وجد في الخارج شيء وكان ناراً فهي حارّة » فأوّلًا فرض وجود نار في الخارج ثمّ حكم عليها بأنّها حارّة ، وهذا هو مراد من قال : إنّ عقد الوضع في القضايا الحقيقية يرجع إلى القضايا الشرطيّة ، أي يوجد بين القضيّة الحقيقية والشرطيّة قرابة وشباهة ، حيث إنّ كلًا منهما حكم على فرض ، لا أنّ كلّ شرط يرجع إلى قيد الموضوع كما ذهب إليه المحقّق النائيني رحمه الله بل أنّه قيّد للحكم كما هو ظاهر القضيّة الشرطيّة . فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ الحقّ مع المشهور وأنّ القيود في القضايا الشرطيّة راجعة إلى الهيئة لا إلى المادّة خلافاً لما نسب إلى الشّيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله . بقي هنا أمور : الأوّل : في ثمرة النزاع في المسألة من الواضح أنّ الثمرة في هذا النزاع تظهر في تحصيل المقدّمات المفوّتة كتهيئة الزاد والراحلة وأخذ الجوازات بالنسبة إلى الحجّ ، فبناءً على مذاق المشهور لا دليل على وجوبها لعدم وجوب ذي المقدّمة على الفرض ، وأمّا على المبنى المنسوب إلى الشّيخ الأعظم رحمه الله فتحصيلها واجب قبل مجيء زمان الواجب ، فيجب مثلًا حفظ الماء قبل مجيء وقت الصّلاة إذا كان تحصيل الطهارة بعد مجيء وقت الصّلاة متوقّفاً عليه ، وكذلك تحصيل مقدّمات السفر إلى الحجّ بعد حصول الاستطاعة وقبل الموسم . نعم ربّما يجب تحصيل المقدّمات حتّى على مبنى المشهور ، وهو ما إذا علمنا بفوت غرض المولى في صورة عدم تحصيل المقدّمات ، فإنّ العقل يحكم حينئذ بحفظ غرض المولى لمكان حقّ الطاعة والمولويّة ، كما إذا علم العبد بأنّه لو لم يحفظ الماء الآن يبقى المولى عطشاناً في المستقبل ، فلا إشكال في أنّه لو لم يحفظ الماء وصار المولى عطشاناً صار مستحقّاً للملامة والمؤاخذة ، وفي الشرعيات نظير ما إذا علمنا ببعض القرائن مثلًا باهتمام الشارع بالصّلاة مع الطهارة المائيّة وأنّ غرضه منها لا يحصل بغيرها ، فيحكم العقل بحفظ الماء ولو قبل مجيء زمان وجوب الصّلاة .